كيف عجزت الإبل عن التأقلم مع ارتفاع درجات الحرارة في أفريقيا؟

صدر الصورة، Reuters
- Author, نافين سينغ خادكا
- Role, مراسل شؤون البيئة
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
تُعرف الإبل على نطاق واسع بأنها سفن الصحراء، لكن حتى هذه الحيوانات شديدة التحمّل لم تسلم من الآثار القاسية لارتفاع درجات الحرارة في أفريقيا.
وتُعد منطقة عفار في شمال شرقي إثيوبيا واحدة من أكثر الأماكن حرارةً وجفافاً على وجه الأرض، حيث يقود البدو في كثير من الأحيان قوافل من الإبل المحمّلة بالملح عبر الصحراء.
وقال علي عمر، وهو راعٍ للإبل من مدينة سمرة في إقليم عفار، لبي بي سي: "أستطيع أن أرى إبلي تعاني من الحرارة الشديدة".
ويضيف الرجل، البالغ من العمر 40 عاماً ويمتلك نحو 500 رأس من الجمال: "تظهر بثور في أقدامها وتدمع عيونها، كما تحرق الرمال الساخنة جلودها وتتلف وبرها عندما تبرك على الأرض".
وقال: "خلال الشهر الماضي فقدت ثمانية من صغار الإبل بسبب الحرارة الشديدة التي أصبحت أكثر قسوةً وصعوبةً بكثير".
وأضاف: "حتى الرياح، التي كانت تجلب الهواء البارد، أصبحت الآن تحمل الحرارة"، مشيراً إلى أنه لاحظ هذه التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة.
وليس علي عمر وحده من لاحظ هذه التغيرات، إذ يشير العلماء والعاملون في مجال رعاية الحيوان، إلى جانب العديد من الدراسات، إلى الإجهاد والتعب والجفاف وانتشار الأمراض باعتبارها آثاراً مباشرة للحرارة الشديدة.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل الإبل تعاني بصورة غير مباشرة، لأنها تؤدي إلى فقدان المياه وللغطاء النباتي بشكل حاد، إضافةً إلى تراجع نطاق المساحات المُظللة.

صدر الصورة، Corbis via Getty Images
ويوجد في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي نحو 80 في المئة من أكبر تجمع في العالم للإبل ذات السنام الواحد .
وعلى مرّ السنين، تحوّل المزارعون ومربّو الماشية في هذه المناطق إلى تربية هذه الحيوانات بسبب قدرتها على الصمود في مواجهة ظروف الحرارة الشديدة والجفاف القاسية.
لكن دراسة استندت إلى آراء رعاة الإبل في جنوب إثيوبيا، ونُشرت عام 2025، أظهرت أن ارتفاع درجات الحرارة وتقلّبات المناخ كان لهما تأثير ضار في صحة قطعان الإبل.
وجاء فيها: "أفاد المشاركون بأن تغير المناخ وتقلباته أثّرا في صحة الإبل وإنتاجيتها وأدائها الإنجابي".
وفي الصومال المجاورة، يبدو أن الوضع أكثر خطورة، فقد أظهرت أبحاث نُشرت في يونيو/حزيران الماضي أن نفوق الإبل المرتبط بالجفاف يمثل أزمة واسعة الانتشار، تؤثر على ما يقارب 46 في المئة من الأسر التي تملك الإبل.
وشملت الدراسة ما يقرب من ستة آلاف أسرة رعوية، وأظهرت أن حالات النفوق تركزت في المناطق الشمالية، حيث سجل إقليم سول "معدل نفوق صادماً بلغ نحو 73 في المئة".
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ويقول الخبراء إن الحرارة الشديدة هي السبب الرئيسي وراء موجة الجفاف في المنطقة، رغم أن عوامل أخرى مثل نقص الخدمات البيطرية وسوء إدارة الثروة الحيوانية تزيد من تفاقم الوضع.
ووجد تحليل أجراه علماء الغلاف الجوي أن درجات الحرارة المرتفعة في المنطقة كانت وراء موجة الجفاف التي حدثت خلال عامي 2021 و2022، إذ تؤدي الحرارة الشديدة إلى تحوّل المياه الموجودة في التربة والمسطحات المائية إلى بخار، كما تطلق النباتات المياه الموجودة فيها إلى الهواء على شكل بخار.
ويقول الأطباء البيطريون إنهم يعالجون عدداً أكبر من الإبل المريضة، كما يشهدون مزيداً من حالات النفوق بسبب الحرارة الشديدة والجفاف.
وقال حسن نويا غويو، وهو مسؤول بيطري في مقاطعة مارسابيت شمال شرقي كينيا المحاذية لإثيوبيا، لبي بي سي: "نشهد زيادة ملحوظة في حالات فرط ارتفاع حرارة أجسام الإبل، مما يعرضها للإصابة بالعديد من الأمراض والالتهابات".
وأضاف: "خلال العامين الماضيين، شهدنا زيادةً تتجاوز 15 في المئة في حالات نفوق الإبل في مقاطعتنا بسبب الحرارة الشديدة".
وكشفت دراسة أخرى أُجريت في منطقة القرن الأفريقي (يضم دول جيبوتي وأثيوبيا وأرتريا والصومال)، أنّ انتشار الأمراض بين الإبل وانخفاض إنتاج الحليب منها يعودان إلى آثار تغير المناخ، بما في ذلك الإجهاد الحراري.

صدر الصورة، Hassan Nuya Guyo
يتكرر المشهد ذاته في شمال أفريقيا، حيث أظهرت دراسة أُجريت في الجزائر ونُشرت هذا العام زيادةً كبيرةً في حالات نفوق الإبل خلال موجات الحر الصيفية.
وجاء فيها: "يُبرز تحليل السلاسل الزمنية أنماطاً موسمية مهمة للنفوق، مما يؤكد الحاجة إلى تدخلات موجهة خلال الفترات عالية الخطورة، مثل ذروة أشهر الصيف، وتشمل توفير المياه بشكلٍ استراتيجي، والتغذية الإضافية، وتعزيز مراقبة الأمراض".
وتقول المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (دابليو إم أو) إن أحداث الحرارة الشديدة أصبحت ظاهرةً شائعةً في العديد من دول شمال أفريقيا، حيث شهدت موجات الحر زيادةً واضحةً في اتجاه تصاعدي منذ عام 1981.
وأضافت أن عدداً من دول المنطقة والشرق الأوسط سجلت درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية عام 2024.
وأشار تقرير حالة المناخ في أفريقيا لعام 2025 الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن شمال أفريقيا سجلت أسرع معدل لارتفاع درجات الحرارة بين المناطق الفرعية الست في القارة، بواقع 0.43 درجة مئوية لكل عقد، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1991 و2025.
ويوضح الخبراء أن الإبل تتحمل الحرارة بكفاءة عالية حتى درجات تقارب 40 درجة مئوية، وذلك بفضل قدرتها على السماح لدرجة حرارة أجسامها بالتأرجح بضع درجات على مدار اليوم للتكيف مع درجات الحرارة الخارجية.
ومن خلال ذلك، تتجنب الإبل التعرّق، ومع البول المركز والبراز الجاف يساعدها ذلك على تقليل فقدان المياه، بينما يساعدها غطاؤها الجلدي الكثيف على حمايتها من أشعة الشمس.

صدر الصورة، Getty Images
وقال الدكتور محمد بن قومي، وهو عالم في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، ومتخصص في صحة الإبل ويعمل في شمال أفريقيا: "يمكن للإبل أن تتعرض أيضاً للإجهاد الحراري عندما ترتفع درجات الحرارة إلى ما يتجاوز نطاق تحمّلها المريح".
وأضاف في حديثه لبي بي سي: "في أجزاء كثيرة من الصحراء الكبرى، تتجاوز درجات حرارة الصيف الآن بشكلٍ متكرر 50 درجة مئوية، مما يزيد خطر التعرض لإجهاد حراري شديد، لا سيما عندما يترافق ذلك مع تراجع الغطاء النباتي، ونقص المياه، ومحدودية الوصول إلى الظل".
ويتفق مع هذا الاستنتاج، البروفيسور عبد المجيد شحمة من جامعة غرداية في الجزائر، الذي أجرى تجارب على الإبل في الصحراء الكبرى.
وقال لبي بي سي: "تُظهر بحوثنا أن الحرارة المستمرة ليلاً ونهاراً، التي تتراوح بين 41 و45 درجة مئوية، تهاجم خلاياها بشكلٍ مباشر".
وأضاف: "يعاني جهازها المناعي، لأن هذه المستويات من الحرارة تتسبب في تلف خلايا الدم البيضاء وخلايا أخرى بسبب الإجهاد، فتكافح هذه الخلايا لإصلاح نفسها، وينتهي بها الأمر إلى تدمير نفسها".
وبالنسبة إلى الإبل، فإن هذا يعني أنه عندما يبدأ الإجهاد الحراري، يتباطأ التمثيل الغذائي لديها للحد من إنتاج الحرارة الداخلية، مما يؤدي إلى انخفاضٍ حاد في تناول الغذاء، وينتج عنه الخمول والإرهاق العام.
ويؤدي ذلك أيضاً إلى تراجع إنتاج الحليب والتسبب في اضطرابات في القدرة على التكاثر.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
ولاحظ البروفيسور محمد الخصمي، خبير علم الأحياء المائي الحيواني في جامعة الدار البيضاء بالمغرب، وفريق عمله، قائمةً طويلةً من آثار الإجهاد الحراري على الإبل.
وأوضح أن فقدان الوزن، والالتهابات، والأمراض المرتبطة بالعضلات والعظام، والاختلال الكيميائي الناتج عن خلل وظائف الكلى، والأمراض المعدية التي تسببها الطفيليات، كانت من بين تلك الآثار.
ويقول الخبراء إن الحرارة الشديدة هي العامل الرئيسي وراء هذه المعاناة، لكن تأثيراتها تصبح أكثر خطورةً عندما تجتمع مع عوامل أخرى، مثل فقدان الغطاء النباتي والمياه، ونقص المناطق المُظللة، وضعف الخدمات البيطرية.
ولهذا السبب، نقل العديد من رعاة الإبل في إثيوبيا حيواناتهم من المنطقة الشمالية، موطنها التاريخي، إلى الجنوب حيث تتوفر المياه والغطاء النباتي بشكلٍ نسبي، وفقاً لخبراء في المنطقة.
وقال دانيال جيلان، أستاذ وباحث في تنمية الرعي في جامعة فيجن في إثيوبيا: "إن هذا الأمر لا يندرج ضمن نطاق التنقل الموسمي المعتاد للرعاة".

صدر الصورة، Ali Umer
وقال لبي بي سي: "إنهم يغادرون المنطقة الشمالية بشكلٍ نهائي، لأنهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار في تربية الإبل هناك بسبب الحرارة الشديدة والجفاف".
وكان القرن الأفريقي قد بدأ يتعافى من أطول وأشد موجة جفاف مُسجلة، امتدت من عام 2020 إلى عام 2023، لكنه يشهد الآن جولةً أخرى من هذه الظروف القاسية، وفقاً لمنظمة الإغاثة أوكسفام.
وقالت المنظمة إن أسعار المياه في بعض مناطق الصومال ارتفعت بأكثر من ألفين في المئة بسبب الجفاف.
وقال عمر، راعي الماشية في عفار، إنه يشعر بالقلق من أن تفشّي مرضٍ ما، قد يبدأ في قتل الإبل البالغة لديه في أي وقتٍ الآن.
ويؤكد البروفيسور عبد المجيد شحمة أن هذا القلق مُبرّر.
وقال: "رغم أن الإبل تظل خط الدفاع الأخير لمربي الماشية في مواجهة الصحراء، فإن الشدة غير المسبوقة لموجات الحر الحالية تهدد وظائفها الحيوية بشكلٍ مباشر، وتحول هذا الحيوان الذي عُرف تاريخياً بقدرته على التحمّل إلى ضحيةٍ للمناخ".
تغطية إضافية: فيريهيوت كاسا من خدمة بي بي سي الأمهرية.
































